Nour Heart

Nour Heart

منتدى متنوع
 
الرئيسيةالبوابة*بحـثالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» هيا نبدأ يومنا ببعض الأذكار
الخميس ديسمبر 31, 2015 6:01 pm من طرف kareemo7ey

» لا .. الماكياج مش حرام !!!
الخميس ديسمبر 31, 2015 5:58 pm من طرف kareemo7ey

» ماذا يحدث لوالديك عند زيارة قبرهما ؟
الإثنين ديسمبر 09, 2013 2:47 am من طرف محيي الدين

» ماتستناش حد مش جاي
الأحد ديسمبر 08, 2013 10:16 pm من طرف محيي الدين

» الى كل فتاة سمحت لشاب أن يكلمها
الثلاثاء ديسمبر 03, 2013 7:08 pm من طرف محيي الدين

» اضحك مع نفسك
الأحد ديسمبر 01, 2013 3:06 pm من طرف محيي الدين

» لو حملت امك على ظهرك العمر
السبت نوفمبر 30, 2013 9:35 pm من طرف محيي الدين

» أفضل عشرة أطباء في العالم
الأحد نوفمبر 24, 2013 9:39 pm من طرف محيي الدين

» إلى كل من لديه أم
الجمعة نوفمبر 22, 2013 5:32 pm من طرف محيي الدين

» إلتهاب الأعصاب السكري
الجمعة نوفمبر 22, 2013 3:20 pm من طرف محيي الدين

» اللهم عفوك ورضاك
الأربعاء نوفمبر 20, 2013 5:03 pm من طرف محيي الدين

» الجنه درجه
الأربعاء نوفمبر 13, 2013 10:10 pm من طرف محيي الدين

» بعد أن تتوفى الأم و تصعد روحها إلى السماء ..
السبت نوفمبر 09, 2013 12:48 pm من طرف محيي الدين

» ادعية الانبياء
السبت نوفمبر 09, 2013 10:10 am من طرف محيي الدين

» امك ثم امك ثم امك
السبت نوفمبر 09, 2013 6:37 am من طرف محيي الدين

» ماذا لو تكلم الموتى
السبت نوفمبر 02, 2013 12:12 pm من طرف محيي الدين

» خمس عادات فاعلة لتنظِّف كبدك من السموم في تسعة أيام
الأربعاء سبتمبر 25, 2013 9:41 am من طرف محيي الدين

» الطريق إلى جبال الألب
الخميس سبتمبر 12, 2013 11:09 am من طرف مجدى سالم

» جزر فارو الدنمركية والطبيعة الساحرة
الخميس سبتمبر 12, 2013 10:58 am من طرف مجدى سالم

» مسجد السلطان عمر سيف الدين الاجمل في جنوب شرق آسيا صور! !!
الخميس سبتمبر 12, 2013 10:51 am من طرف مجدى سالم

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الصفحة الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث
منتدى
التبادل الاعلاني
احداث منتدى مجاني
pubarab

 


شاطر | 
 

  الفتور مظاهره ، وأسبابه ، وعلاجه

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مجدى سالم
كبار الشخصيات
كبار الشخصيات


تاريخ التسجيل : 15/03/2009
المساهمات : 3058
العمر : 55
الموقع : مدينه المنصوره
العمل/الترفيه : اعمال حره

مُساهمةموضوع: الفتور مظاهره ، وأسبابه ، وعلاجه   الثلاثاء مايو 10, 2011 7:39 pm

[color=olive][center][center]
الفتور
مظاهره ، وأسبابه ، وعلاجه




بقلم : د/ فيصل بن سعود الحليبي
عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة بالأحساء







المقدمة :

حمداً كريماً لمن تفرد بالعظمة والكبرياء ، وحمدًا متواصلاً لمن بيده مقادير كل شيء ، حمداً له من كل قلب مؤمن ، ومن كل نفس مخبتة ، حمداً له على الإيمان ، وحمدًا له على الإسلام ، وحمدًا له على القرآن ، حمدًا له على كل نعمة ، وحمداً له في السراء والضراء ، وحمدًا له على كل حال .
نشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله ، اصطفاه على خلقه بأكرم رسالة ، وأعظم نبوة ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرًا .
] يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ .
أما بعد : فإنه حينما تنجو سفينةُ المرءِ من بحر المعاصي المهلك ، فترسو على ساحل الإيمان الآمن ، يكون حينها عرضةً لحبائل الشيطان المغرضة ، وشباكه المعقدة ، وأنيابه المفترسة ، وما ذاك إلا لأنه غرضٌ كم تمنى الشيطان أن يصيبه بسهمه المسموم ، ليرديه قتيل الضعف الممقوت ، والانتكاسة المهينة .
ولكن ما أهون هذا الشيطان ، وما أقل حيلته ، وما أضعف كيده ، إذا واجهه المؤمن بسلاح الإيمان المضاء ، ونوره الوضاء ؛ فراجع أسباب ضعف إيمانه ، ونظر في علل فتوره وتقصيره ، واتخذ من أسباب الثبات على دينه ما ينصره على الشيطان في هذا الصراع العنيف .
والفتور _ أيها القارئ الكريم _ مرض يتسم بالتسلل الخفي حينما يريد أن يدس داءه في قلب المسلم أو عقله ، كما أنه لا يأتي بغتة ، بل إن نَفَس الشيطانِ فيه طويل ، وكيده في الإصابة به متنوع ، حتى يقتنع صاحبه أنه فيه على حق ، وأنه كان على خطأ أو تطرف .
ولقد تنوعت في هذا الزمان وسائل الفتور ، وتعددت صوره ، واتخذ همه محلاً في صدر المصاب به ، ربما بمعرفته له ، أو بمعاينته لآثاره عليه ، مع أن هذا الداء قد يتقمص في نفس المصاب به شخصية أخرى ، وهي الكآبة أحيانًا ، أو الحيرة ، أو الخوف ، أو الانطواء أو نحو لك .
والفتور : انكسار وضعف ، ولعلك تلمح بوضوح أن هذه الكلمة تشير إلى أن هذا الضعف قد سُبق بقوة ، وذلك الانكسار قد تقدمته صلابة ، ولهذا قال علماء اللغة : ( فتر : أي سكن بعد حِدّة ، ولان بعد شِدّة ) () .
فالفتور إذًا مرض يصيب الأقوياء ، ويترصد لكل من يتطلع إلى الكمال في دينه ، وعلى هذا فإن الأمر يزداد خطورة ؛ إذ أن أهم المقصودين هنا هم شريحة أهل الإيمان من العاملين المنتجين ، والمبدعين المتفوقين ، الذين تنهض عليهم الأمة ، وتنقاد لهم سفينتها .
وأخيرًا ؛ فمن إدراكي لأهمية هذا الموضوع ، أردت أن أزود نفسي المقصرة أولاً ببعض الجرعات الوقائية ضد هذا الداء ؛ لأحمي نفسي منه بإذن الله ، وأشارك في وقاية مجتمعي وأمتي من نفوذه وانتشاره ، سائلاً المولى سبحانه أن يقينا شرور نفوسنا ، وأن يهدينا إلى هداه ، ويقبضنا إليه غير مفتونين ، وأن يثبت قلوبنا على طاعته ودينه ، إنه سميع مجيب .

فيصل بن سعود الحليبي
أسس مسلَّمة في مشكلة الفتور

إننا قبل التعرف على أسباب إصابة المؤمن بالفتور في العبادة ، لابد من تبيين حقائق ومسلمات تتعلق بضعف إيمان المؤمن وفتوره ، أذكرها في القواعد التالية :
القاعدة الأولى : أن جميع الخلق _ سوى من عصمه الله _ معرض للإصابة بالفتور ، والوقوع في الأخطاء والمعاصي ، وهذا أمر قد أثبته النبي e ، وجعله سمة لكل بني آدم فقال :
( كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ ) () .
ولما كان الإنسان مفطورًا على الوقوع في المعصية ، واقتراف الخطأ ، أرشده الله تعالى إلى طريق الخلاص منها ، وهو التوبة النصوح ، فمن توخاه نجا ، ومن تنكب عنه خسِر ، ومن هنا جاء الترغيب الرباني إلى طريق النجاة بالعفو عما اقترفه الإنسان من الذنوب ، وليس هذا فحسب ، بل وبتبديل السيئات السابقة إلى حسنات أيضًا ، فيا له من فضل عظيم ، وعفو كريم ، يقول الله تعالى فيه : ] إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [ .
ويقول النبي e : ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا ، لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ ) () .
القاعدة الثانية : أن قلب المرء وإن صفا ، وثبت على الإيمان ، واستلذ بحلاوته ، فإنه معرّض للانتكاسة ، ومهيأ للانقلاب ، قد يقرب من ذلك وقد يبعد عنه ، يقول النبي e : ( إِنَّمَا سُمِّيَ الْقَلْبُ مِنْ تَقَلُّبِهِ ؛ إِنَّمَا مَثَلُ الْقَلْبِ كَمَثَلِ رِيشَةٍ مُعَلَّقَةٍ فِي أَصْلِ شَجَرَةٍ يُقَلِّبُهَا الرِّيحُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ ) () .
وإن القلب أيها المؤمنون لشديد التقلب ، ويضرب النبي e لشدة هذا التقلب مثلاً فيقول : ( لقلب ابن آدم أسرع تقلبًا من القدر إذا استجمعت غليانًا ) () .
ومن الذي بيده تقليب القلوب وتصريفها ، إنه الله سبحانه ، يقول النبي e :
( إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ ) () .
القاعدة الثالثة : أن مذهب أهل السنة والجماعة في شأن الإيمان ، أنه يزيد بالطاعة ، وينقص بالمعصية ، وهل يستوي إيمان عبد تعلق قلبه بالمساجد ، وشغف بحب الله ورسوله e ، وأضاء نور القرآن عقله ، وأنارت السنة بصيرته ، بمن صد عن هذا كله ، فرضي بمستنقعات الرذيلة له موردًا ومشربًا ، وامتلكت جوارحَهُ المعاصي ، وسرى في دمه داءُ التبعية لكل ناعق ، فاستمتع بالشهوات المحرمة ، وسلَّم قياده لشيطان الهوى ؟ لا والله الذي لا إله إلا هو لا يستوون ، وهل يستوي من قال الله فيه : ] إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [ ، هل يستوي هؤلاء بمن قال الله تعالى فيهم :
] وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [ أقول : لا يستوون !!
القاعدة الرابعة : أن بقاء قلب المؤمن على الدرجة الرفيعة من الإيمان التي يجدها في أعظم العبادات قدرًا ، وأكثرها تأثيرًا ؛ كالصلاة ، والحج ، والصيام وتلاوة القرآن ، وقيام الليل ، أمر متعذر ؛ لشدة انشغال القلب بأعمال الدنيا ، وملذاتها ، وما يعتريه فيها من أفراح وأتراح ، وليس هذا من الرياء أو النفاق في شيء ، وقد وجد هذا أفضل القرون من صحابة النبي e ؛ فقد روى مسلم في صحيحه : عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ t ، قَالَ : لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ t ، فَقَالَ : كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ ؟ قَالَ قُلْتُ : نَافَقَ حَنْظَلَةُ ، قَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، مَا تَقُولُ ؟ قَالَ قُلْتُ : نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ e يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ e عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ ، فَنَسِينَا كَثِيرًا ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ e ، قُلْتُ : نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : وَمَا ذَاكَ ؟ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ ، عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ ، سَاعَةً وَسَاعَةً ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ) .

مظاهر الفتور

إن سؤالاً تتحدث به قلوبنا ، وإن لم تنطق به ألسنتنا ، وهو : كيف أعرف أنني مصاب بداء الفتور ، ما أعراضه ، وأشكاله التي يظهر بها في عبادتي ، وفي حياتي ؟
أخي الكريم : إن ثمة مظاهر كثيرة لهذا الداء ، تشير لك بثلمة في إيمانك تحتاج إلى ترميم ، واهتزاز في علاقتك بربك تحتاج إلى تثبيت ، أذكر لك طرفًا منها ، فارع سمعك لذكرها ، ولنتحسس وجودها أو عدمها في نفوسنا :
المظهر الأول : قسوة القلب ، ذلك السياج المانع للقلب من الخشوع لله تعالى ، الحابس لدمع العين من خشيته ، الحائل دون قشعريرة الجلد وليونته ذلاً لله تعالى ، فلا يعرف القلب بعد هذا معروفًا ، ولا ينكر منكرًا ، قد جفّت ينابيع الحب فيه ، وأقفرت رياض الرحمة لديه ، واصفرت خضرة المشاعر في فؤاده ، ] فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ
مُبِينٍ [ .
وتستمر القسوة بالقلب حتى تصل إلى درجة تتضاءل أمامها صلابة الأحجار والصخور ، ] ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [ .
وشتان بين من كان هذا حال قلوبهم ، وبين من تنتفض أجسادهم كالعصافير المبللة بالمطر رهبة من الله تعالى ، حتى خلّد الله ذكرهم ووصفهم في كتابه العزيز فقال : ] اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [ .
ولا ريب أن ذكر الموت والاستعداد للآخرة وتمني حسن الخاتمة علاج لكل من قسا قلبه بالمعصية ، يقول الرسول e : ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ، ألا فزوروها ؛ فإنها ترق القلب ، وتدمع العين ، وتذكر الآخرة ) () .
المظهر الثاني : التهاون في فعل الطاعات ، ما كان منها فرضًا ، أو نفلاً ، يسيرًا كالأذكار ، أو غير ذلك ، كالحج ، والصلاة ، والصيام ، فإذا رأى الإنسان نفسه متثاقلاً في أداء العبادات ، متكاسلاً في النهوض إليها ، كارهًا لأدائها ، يشعر كأنها أمثال الجبال على كاهله ، فليعلم أن داء الفتور قد دب في أوصاله ، وسرى في دمه ، يقول تعالى ذامًا هذا الصنف من المصابين بهزال الإيمان وضعفه : ] وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [ ، ويقول تعالى : ]وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ
كَارِهُونَ [ .
المظهر الثالث : بغض الصالحين الممتثلين للسنة ، الحريصين على إقامة شعائر الدين في أنفسهم ، وأهليهم ، ووسطهم ، فإذا ما رأيت العبد يجتنب مجالس الخير ، ويأنس بأحاديث اللغو والتفاهة ، فاعلم أنه يعيش صراعًا مع نفسه ، فإنها تنازعه الثبات على الحق ، وتدعوه إلى الإهمال فيه ، والفتور في القيام به .
يقول الفاروق t : ( جالسوا التوابين فإنهم أرق شيء أفئدة ) .
ويقول أبو الدرداء t : ( لا تزالون بخير ما أحببتم خياركم ) () .
المظهر الرابع : موت المشاعر الدينية ، وعدم الغضب من أجل الله تعالى ؛ فإن المرء يمر في يومه وليلته بفتن كثيرة ، وامتحانات متتالية ، على رأسها هذه المنكرات التي تموج بالناس حتى تكاد تغرقهم ، وما تواجه به تعاليم الإسلام من السخرية والاستهزاء ، وما تتعرض له بعض شعوب المسلمين من حروب الإبادة التي لم يشهد لها التاريخ مثيلًا ، وما يشاهده المسلم اليوم من سقوط أكثر المسلمين في شباك الغرب والشرق .
فعزاؤنا كل العزاء في كل من لا يشعر بهذا البلاء ، ولا يحاول المشاركة في دفعه أو رفعه، ولو كان بلسانه أو بقلبه ، حتى غدا قلبه كأي قطعة لحم ميتة ، لا نبض فيها ولا حراك .
يقول النبي e : (( تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا ، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ ؛ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادٌ كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا ، لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ ) () .
المظهر الخامس : عدم الشكر في السراء ، وعدم الصبر في الضراء ، وإنما يأتي ذلك من ضعف الإيمان ، والفتور في الصلة بين العبد وخالقه ، فلو أن العبد استحضر أن كل نعمة تصل إليه إنما هي من الله وحده ، لشكر الله عليها ، فتزداد صلته بخالقه الذي مَنَّ عليه بهذه النعم وغيرها ، ولو أنه حينما تحل به مصيبة ، أو تقع به كارثة ، علم بأنها ابتلاء وامتحان من الله ، ليصبر عليها ، لينال أجر الصابرين ، فيفوز مع الفائزين ، ولا يكون الشكر في امتحان النعمة ، والصبر في امتحان الشدة إلا من المؤمنين .
يقول النبي e : ( عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) () .
فلننتبه أن تغرقنا الفرحة بالنعمة في بحر الكفر بمن مَنَّ بها علينا ، أو توقعنا المصيبة في فقدان الأمل في الفرج بمن عنده مفاتيح الفرج سبحانه وتعالى .
المظهر السادس : المجاهرة بالمعصية ، وعدم مبالاة المرء بمعرفة الناس بوقوعه فيها ، وهي من أعلى مراتب الفتور ، حتى حذّر النبي e منها في قوله : ( كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ ، وَإِنَّ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَقُولَ : يَا فُلَانُ ، عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا ، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ ) () .
وما أشنع هذا الفعل الذي تتوغل النفس فيه في غمرة المعصية المقترنة بالجهل ، فيزيد على وباء الذنب ، ظلمة الانسلاخ من الحياء من الله ومن خلقه ، وإن الحياء لشعبة من شعب الإيمان ، فكيف إذا كان من الله تعالى !!
أما تشتاق نفس هذا المجاهر بالمعصية ، إلى ستر الله تعالى يوم القيامة ، الذي جعله الله لمن أذنبوا ولم يجاهروا ، يقول النبي e : ( إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ ، فَيَقُولُ : أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا ، أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا ، فَيَقُولُ : نَعَمْ أَيْ رَبِّ ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ ، قَالَ : سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا ، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ ، فَيُعْطَى كِتَابَ
حَسَنَاتِهِ ) () .
هذه جملة من الأعراض التي تظهر على المصاب بداء الفتور ، توخيت في اختيارها كثرة الوقوع ، وغالبية الحدوث .
والشأن في أسباب الفتور كذلك أيضًا ، فإنها كثيرة ، وتختلف من بيئة إلى أخرى ، ومن شخص لآخر ، غير أنه يمكن تسليط الضوء على جملة منها ، نتلمس فيها الواقعية والأهمية ، فحاول أن تعيش معي معرفة هذه الأسباب ، فإن معرفة سبب الداء ، طريق إلى إتقان الدواء .
أسباب الفتور

المقصود بالأسباب هنا : هي تلك الطرق الموصلة إلى ضعف إيمان العبد بعد أن كان قويًا ، وهي الوسائل التي كسرت صلابة بنيان الدين في قلبه حتى أردته هزيلاً واهنًا ، تتلاعب به الشهوات ، وتتقاذفه أمواجها ، وتثقل عليه كل ما يتصل بدينه وعبادته .
السبب الأول : عدم تعهد العبد إيمانه من حينٍ لآخر ، من حيث الزيادة أو النقص ، فإن بدون مراجعة الإنسان نفسه مع حال إيمانه ، تتكالب عليه أسباب الفتور من كل جانب ، فتعمل معاولها الهدامة في بنيانه ، ولذا فإنه يجب على المؤمن إذا رأى في إيمانه قصورًا ، أو شعر بشيءٍ من مظاهر الفتور ، أن يتزود من أسباب الإيمان ، وينهل من معينه .
يقول أبو الدرداء t : ( من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه ، ومن فقه العبد أن يعلم : أيزداد هو أم ينتقِص ؟ ) .
وكان عمر t يقول لأصحابه : ( هلموا نزدد إيمانًا ، فيذكرون الله U ) .
وكان ابن مسعود t يقول في دعائه : ( اللهم زدنا إيمانًا ويقينًا وفقها ) .
وكان معاذ بن جبل t يقول للرجل : ( اجلس بنا نؤمن ساعة ) .
وقال عمار بن ياسر t : ( ثلاث من كُنَّ فيه فقد استكمل الإيمان : إنصافٌ من نفسه ، والإنفاق من إقتار ، وبذل السلام للعالَم ) () .
السبب الثاني : الجهل بما أعده الله تعالى للمتقين من الجنان ، أو تجاهله ، أو نسيانه ، أو عدم مذاكرته بين الحين والآخر ، فإذا ما وقع الإنسان في شيء من هذا ، فتر عن العبادة ، وتكاسل عنها ؛ لأنه فطر على التعلق بالشكر ، وطلب الجائزة على المعروف ، وقد هيأ الله ذلك لعباده إلى حدٍ لا تتصوره أذهانهم ، ولا يخطر على بالهم ، ] هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ(49)جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمْ الْأَبْوَابُ(50)مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ(51)وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ(52)هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ(53)إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ [ .
ويقول النبي e : ( قَالَ اللَّهُ : أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ، فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ
أَعْيُنٍ ) () .
غير أن فئة منهم تباطئوا الثواب ، أو غفلوا عنه ، فماتت أحاسيس الرغبة فيه ، وضعفت الهمة في طلبه .
السبب الثالث : استبعاد العقوبات الدنيوية ، والاستهانة بالعذاب الأخروي ، أو الشعور بأنه عذاب معنوي فحسب . وهذا السبب قسيم لسابقه ، فإنما يسعد المؤمن بإيمانه على أمرين ، الرجاء في ثواب الله ، والخوف من عقابه ، فإذا ما استبعد المسلم حلول النقمة عليه في الدنيا بسبب ذنب أصابه ، أو خطيئة ارتكبها ، تمادى في طريقها غير مبالٍ بنتائج هذا الفعل .
يقول بعض السلف : (( إنني أجد أثر المعصية في أهلي ودابتي )) .
وإني لأعجب حقًا من عدد من الناس يعيشون في حياتهم ضيقًا ونكدا ، وهمًا وغمًا ، ونفرة واضطرابًا ، وقد خلت بيوتهم من سماع القرآن وتلاوته ، وجفت ألسنتهم من الذكر والدعاء ، لا تعرف منازلهم النوافل ، ولا يتراحمون بالتناصح ، بل طلبوا السعادة في غير مظانها ، ولهثوا خلف سراب التقليد ، ففتروا عن الخير ، وتباطئوا عن الخيرات ، وسارعوا إلى الشهوات والملذات .
فأيُّ ثبات على الحق يبقى ، وقد أمِنَ أولئك مع انحرافهم عن جادة الدين العقوبة التي حلت بغيرهم ، فهل ينتظرون أن تحل بهم .
أما الغفلة عن عذاب الآخرة ، أو الاستهانة به ، فهو رأس الداء ، وصميم البلاء ، إن الواحد منا ليستمع من بعض هؤلاء مقولات تقشعر منها الأبدان ، فمن قائل : إن هي إلا ساعات في النار ، ثم نخرج منها ، ومن قائل : إنما هو عذاب روحي ومعنوي ليس إلا ، بل استمعت لبعضهم يقول : الموتة واحدة ، ولا حساب ولا عقاب ، وإنهم ليقولون منكرًا من القول وزورًا ، ويحسبونه هينًا ، وهو عند الله عظيم .
وإلا فأين هؤلاء من قول الله تعالى : ] إن الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا
حَكِيمًا [.
أيها المسلمون : بمحبة الله ، والخوف من عذابه ، والرجاء في ثوابه ، نجا أصحاب محمد e ، يقول عمر بن الخطاب t : ( لو نادى مناد من السماء : أيها الناس إنكم داخلون الجنة كلكم أجمعون إلا رجلاً واحدًا ، لخفت أن أكون هو ، ولو نادى مناد : أيها الناس إنكم داخلون النار إلا رجلاً واحدًا ، لرجوت أن أكون هو ) () .
ولما قرأ الفاروق
فلنضع الثواب أمام أعيننا ؛ لننهض إلى العبادة ونجد فيها ، ولنضع العقاب نصب أعيننا ؛ لنصون أنفسنا من الوقوع في المعاصي .
السبب الرابع : الانبهار بالدنيا وزينتها ، والاغترار بنعمها الزائلة ، وإن للدنيا من الفتنة العظيمة ما يتغيّر به حال العباد من الثبات إلى الفتور ، ومن القوة إلى الضعف ، من هنا حذّر خالقها سبحانه من الاغترار بها فقال : ] يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [ .
إنه لابد أن نعلم أن أيام الدنيا كأحلام نوم ، أو كظل زائل ، إن أضحكت قليلاً أبكت كثيرًا ، ، وإن سرّت يومًا أو أيامًا ساءت أشهرًا وأعوامًا ، وإن متعت قليلاً منعت طويلاً ، وما حصّلت للعبد فيها سرورًا ، إلا خبّأت له أضعاف ذلك شرورًا .


إنما الدنيا فناء

ليس في الدنيا ثبوت

إنما الدنيا كبيت

نسجته العنكبوت


يقول الحسن البصري : والذي نفسي بيده ، لقد أدركت أقوامًا كانت الدنيا أهون عليهم من التراب الذي يمشون عليه .
غير أنك أيها العبد لك أن تجعل هذه الدنيا بزينتها وبهرجها طريقًا إلى جنة ربك ، كيف لا وهي مزرعة الآخرة وطريق لها ، وهي وإن كانت ممرًا ، فإنها توصلك إلى المقر ، فاختر مقرك في ممرك .

لا تتبع الدنيا وأيامها ذمًا

وإن دارت بك الدائرة

من شرف الدنيا ومن فضلها

أن بها تستدرك الآخرة


قال الفضيل _ رحمه الله _ : جعل الله الشرَّ كله في بيت ، وجعل مفتاحه حبَّ الدنيا ، وجعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا .
وقال رجل للفضيل بن عياض : كيف أصبحت يا أبا علي ؟ فكان يثقل عليه : كيف أصبحت ؟ وكيف أمسيت ؟ فقال : في عافية ، فقال : كيف حالك ، فقال : عن أيّ حال تسأل؟ عن حال الدنيا أو حال الآخرة ؟ إن كنت تسأل عن حال الدنيا ، فإن الدنيا قد مالت بنا وذهبت بنا كل مذهب ، وإن كنت تسأل عن حال الآخرة ، فكيف ترى حال من كثرت ذنوبه ، وضعف عمله ، وفني عمره ، ولم يتزود لمعاده ، ولم يتأهب للموت ، ولم يخضع للموت ، ولم يتشمر للموت ، ولم يتزين للموت ، وتزين للدنيا().
قَالَ الْمُسْتَوْرِدُ بْنُ شَدَّادٍ : إِنِّي لَفِي الرَّكْبِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ e إِذْ أَتَى عَلَى سَخْلَةٍ مَنْبُوذَةٍ ، فَقَالَ : أَتُرَوْنَ هَذِهِ هَانَتْ عَلَى أَهْلِهَا ؟ قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مِنْ هَوَانِهَا أَلْقَوْهَا ، قَالَ : فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ عَلَى أَهْلِهَا ) () .
فإذا علم العبد قيمة هذه الدنيا عند الله ؛ بأن نعيمها يفنى ، وجديدها يبلى ، علم أنه لم يخلق لها ، وإنما خلق للآخرة ، فجد في العمل لها ، ومزّق ثوب الفتور والتواني عن جسده ، ولبس ثوب المثابرة في عبادته ، ممتثلاً قول الله تعالى : ] واعبد ربك حتى يأتيك اليقين [.
السبب الخامس : طول الأمل ، وهذا هو قاتل الهمم ، ومفتر القوى ، قرين التسويف والتأجيل ، وحبيب الخاملين الهاملين ، وعدو الأتقياء النابهين .
ويكفي طول الأمل مذمة الله له ، حيث قال في كتابه : ( ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) .
ويقول الرسول e واصفًا تعلق الإنسان بالدنيا وطول الأمل فيها : ( لَا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَتَيْنِ : فِي حُبِّ الدُّنْيَا ، وَطُولِ الْأَمَلِ ) () .

المرء يرغب في الحيا

ة وطول عيش قد يضره

تفنى بشاشته ويبقى

بعد حلو العيش مرّه

وتسوءه الأيام حتى

ما يرى شيئًا يسرّه


( قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : ارْتَحَلَتِ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً ، وَارْتَحَلَتِ الْآخِرَةُ مُقْبِلَةً ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا ؛ فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلٌ ) () .
أخي الحبيب : قل بربك ، أي عمل سوف ينجزه المؤمن إذا كان طول الأمل يحيط بفكره ، ويملأ عليه حياته ، كلما سمع نداء الجد ، قال : غدًا ، كلما سمع صوت العمل ، قال : سوف وسوف ، من هنا تصاب الهمة بالتقاعس ، وتنتهي إلى الكسل والخمول .
قال الحسن البصري : (( تؤمّل أن تعمّر عمر نوح ، وأمر الله يطرق كل ليلة )) .

يؤمّلُ دنيا لتبقى له

فوافى المنية قبل الأمل

حثيثًا يروّي أصول الفسيل

فعاش الفسيل ومات الرجل


السبب السادس : من أسباب الفتور : تحميل الإنسان نفسه في عبادته ما لا يحتمل عادة ، فإنه وإن استمر على فعل الطاعة مع ثقلها عليه ، إلا أنه سيصيبه الفتور بعد ذلك ؛ لمخالفته المنهج النبوي الكريم ، وهو أن المؤمن ينبغي أن يأخذ من الأعمال ما يطيق ، حتى لا يصاب بالملل والسآمة ، فيعود هذا على ترك العمل نهائيًا .
وقد أرشد الله تعالى إلى ذلك فقال : ] اتقوا الله ما استطعتم [ .
وعلم عباده ذلك الدعاء الكريم فقال : ] ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به [ .
وهاهو نبي الأمة e يرسم الطريق المستقيم في العمل بالعبادة ، وهو التوسط فيها ، فلا إفراط ولا تفريط ، حتى يبقى المسلم على صلة دائمة لا تعرف الفتور ، وطريقة مستمرة لا تعرف الانقطاع ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( إن الدين يسر ، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا ، وقاربوا ، وأبشروا ) () .
ويدخل النبي e ذات يوم في المسجد ، فإذا حبل ممدود بين ساريتين ، فقال :
( ما هذا الحبل ؟ قالوا : هذا حبل لزينب ، فإذا فترت تعلقت ، فقال النبي e : لا ، حلوه ، ليصل أحدكم نشاطه ، فإذا فتر ، فليقعد ) () .
ويتوعد النبي e المتنطعين في الدين ، المشددين على أنفسهم في العبادة بما لا يطيقون بالهلاك ، فقال : ( هلك المتنطعون ) قالها ثلاثًا () .
واستمع إلى قصة عبد الله بن عمرو بن العاص t في طلبه الزيادة في العبادة بما لا يطيق ، كيف انتهت قصته بتمني الاعتدال والتوسط الذي أرشده إليه النبي e ، حيث قال عَبْدُاللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِي اللَّه عَنْهما : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ e : يَا عَبْدَاللَّهِ ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ ، فَقُلْتُ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَلَا تَفْعَلْ ؛ صُمْ وَأَفْطِرْ ، وَقُمْ وَنَمْ ؛ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا ، فَإِنَّ ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ ، [ قال عبد الله بن عمرو عن نفسه ] : فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ ؛ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً ، قَالَ : فَصُمْ صِيَامَ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام ، وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ ، قُلْتُ : وَمَا كَانَ صِيَامُ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام ؟ قَالَ نِصْفَ الدَّهْرِ ، فَكَانَ عَبْدُاللَّهِ يَقُولُ بَعْدَ مَا كَبِرَ : يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) () .
وفي حديث آخر يحذّر النبي e عبد الله بن عمرو بن العاص t من الانقطاع عن قيام الليل ، فيقول فيه : ( يا عبد الله ، لا تكن مثل فلان ، كان يقوم الليل ، فترك قيام الليل ) () .
قال ابن حجر _ رحمه الله _ : ( إن المقصود بالحديث هو الترغيب في ملازمة العبادة ، والطريق الموصل إلى ذلك ؛ هو الاقتصاد فيها ، لأن التشديد فيها قد يؤدي إلى تركها وهو
مذموم ) () .
ويشير الإمام الشاطبي _ رحمه الله _ إلى هذا المعنى فيقول : (( إن المكلف لو قصد المشقة في عبادته ، وحرص على الوقوع فيها ، حتى يعرض نفسه لمضاعفة الثواب ، فإنه يعرض نفسه في واقع الأمر لبغض عبادة الله تعالى ، وكراهية أحكام الشريعة ، التي غرس الله حبها في القلوب ، كما يدل عليه قوله تعالى : ] ولكنَّ الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم [ ، وذلك لأن النفس تكره ما يفرض عليها ، إذا كان من جنس ما يشق الدوام عليه ، بحيث لا يقرب وقت ذلك العمل الشاق ، إلا والنفس تشمئز منه ، وتود لو لم تعمل ، أو تتمنى أنها لم تلتزم )) ().
ويكفينا قول النبي e : ( خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا ، وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى النَّبِيِّ e مَا دُووِمَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ قَلَّتْ ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً دَاوَمَ عَلَيْهَا ) () .
السبب السابع : الابتداع في الدين ، وإنه لسبب خفي من أسباب الفتور ، ومدخل للشيطان على النفس البشرية قلما تتنبه له ، وذلك لأن هذه الشريعة الغراء ليست من صنع البشر ، بل أحكامها إلهية ، مصدرها الوحي ، جاءت مؤصلة بكلام الله تعالى ، وسنة النبي e ، أي : بالوحي الذي لا ينطق عن الهوى ، من هنا كانت أحكامها متصفة بالحكمة ، قائمة على المصلحة ، مملوءة بالرحمة ، وكان على العبد أن يقتصر عليها دون زيادة أو نقصان .
أما النقصان ، فالخلل فيه واضح لا يحتاج إلى بيان ؛ لأنه لا يجوز أن يفعل الإنسان ما يحلو له من الدين ويترك ما لا يهوى ، فقد قال الله تعالى : ] أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ[ .
وأما الزيادة على الدين ، ولو كان ذلك بإنشاء العبادات أو الأذكار ، أو ابتكار طرق جديدة في أداء الطاعات ، فإن في ذلك كله زيادة في التكليف ، ومشقة على العباد ، بسببها قد يبغض الإنسان العبادة المفروضة من ربه ، والمشروعة من نبيه e ، وذلك لضيق وقت الإنسان ، وتزاحم الواجبات عليه ، مما يؤدي إلى ترك المطلوب المشروع ، لفعل المبتدع المرفوض ، وإنك سوف تجد هذا بوضوح في شأن المبتدعة ، حيث ينشطون لبدعتهم ، ويفترون عما أوجب عليهم ، فما أجمل الاكتفاء بالسنة النبوية ، وما أروع الاقتداء بالحبيب e ، وما أفضل السير على منهاج سلف الأمة المهديين .
عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه قال : ( جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ r، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا ، فَقَالُوا : وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ، قَالَ أَحَدُهُمْ : أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا ، وَقَالَ آخَرُ : أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ ، وَقَالَ آخَرُ : أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ : أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ) () .
وكم يفرحنا كثيرًا هروب جملة من المبتدعة من ضلالة البدعة ، بعد أن أرهقتهم تكاليف بدعتهم ، ولكن يحزننا وقوعهم في نار المعصية ، ولا غرابة في ذلك ؛ فالبدعة ليس مصيرها الفتور عن العبادة المشروعة فحسب ، بل الضياع والحيرة في الأمر كله .
يقول ابن القيم _ رحمه الله _ : (( كان السلف يسمون أهل الآراء المخالفة للسنة ، وما جاء به الرسول e ... يسمونهم : أهل الشبهات والأهواء ؛ لأن الرأي المخالف للسنة ، جهل لا علم ، وهوى لا دين ، فصاحبه ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ، وغايته الضلال في الدنيا ، والشقاء في الآخرة )) ()
السبب الثامن : الرفقة السيئة ، وهي الأخطبوط الذي يضم المصاب بداء الفتور ، كلما حدثته نفسه بالعودة إلى الثبات ، والعزيمة على الرشد ، فتنته هذه الرفقة بعرض جديد من ألوان الهوى ، وصور الفساد والخنا ، فتراه يتوهم السعادة في مجالستهم ، والسهر معهم ، وإنها
لسعادة ] كَسَرَابٍ بقيعة يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءه لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [ . وسوف يوفي الله تعالى المغتر برفقة السوء حسابه ، ويريه كيف تكون الحسرة ، فإن كان المتحسر في الدنيا يعض على إصبع واحد حسرة وندامة ، فلسوف يعض على كلتا يديه فجيعة وقهرًا .
وقد صور الله تعالى هذه الحسرة فقال : ] وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا(27)يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا(28)لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا [ .
الله أكبر : كم هدمت رفقة السوء من لبنات الخير في نفوس كثير من الناس ، لهو ولغو ، وغيبة ونميمة ، ونظر إلى الحرام ، واستهانة بالدين ، وسخرية بالصالحين ، وقتل للوقت ، وتضييع للتكاليف .
فواعجبًا ممن ذاق حلاوة الإنس بالصالحين ، كيف يفارقهم ؟ يذكرونه بالله ، ويحيون في نفسه محبة الدين والعمل له ، كلما رآهم زاد إيمانه إيمانا ، يعود منهم تشتاق نفسه لأداء العبادة ، يرغبونه في الخير ، وينهونه عن الشر ، ويكفي القول فيهم : هم القوم لا يشقى جليسهم ، ولعل من أنفع الدواء لضعف الإيمان : الصحبة الصالحة التي تذكر المسلم بالله عند غفلته ، وتعينه على طاعة ربه ، وقد أوصى الله U نبيه e بمرافقتهم فقال : } وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ أتعشي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [ .
احذر _ يا رعاك الله _ من صحبة البطالين ، فإنهم موتى القلوب ، ولا يورثونك إلا موتًا ، ولا يكسبونك من الله إلا بعدًا ، فاجتنبهم كما تجتنب الداء العضال ، والوحوش المفترسة ، واربأ بنفسك أن تجالس من انحطت همتهم ، وتمرغت في الخطايا كرامتهم ، فانفر بنفسك قبل أن تحترق بكيرهم ، أو تختنق من دخانهم .
يقول النبي e : ( مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ : إِمَّا أَنْ يُحْذيَك وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً ، وَنَافِخُ الْكِيرِ : إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً ) () .
ولقد حذّر الله نبيه e من مصاحبتهم فقال : ] وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [ .
السبب التاسع : الانفراد والعزلة ، ففي زمن كثرت فيه المغريات ، وتنوعت فيه وسائل الشهوات ، وسهلت فيه الخلوة بما حرم من المثيرات ، أصبحت العزلة وسيلة إلى الفتور ، وطريقًا إلى الخور والضعف ؛ لأن المسلم حينما ينفرد لا يعرف صوابه من خطئه ، ولا قوته من ضعفه ، فتراه يسير متخبطًا في عمى ، بلا دليل يدل ، ولا حكيم يرشد ، فيسهل قياده من الشيطان للتقصير والهوى ، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية .
من هنا : جاءت التعليمات النبوية بالأمر بالتمسك بالجماعة ، والتحذير من الفرقة والاختلاف ، لأن الله لا يجمع الأمة على ضلالة ، فمن تمسك بهديها اهتدى ، ومن شق جماعتها ضل وغوى .
يقول النبي e : ( عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ ، وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ ) () .
ولعلك _ أيها القارئ الكريم _ تذكر قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين رجلاً ، فإنه لما هداه الله تعالى على يدي ذلك العالم ، وتأكد العالم من توبته وصدق إنابته ، لم يتركه يعبد الله وحده ، بل قال له : ( انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا ؛ فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ ، فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ ، أَتَاهُ الْمَوْتُ ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ ، فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ ، وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ : إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ ، فَقَالَ : قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ ، فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ ) رواه مسلم .
وإنها لثمرة يانعة لمن قصد الله بالتوبة ، وقصد أهل الخير والصلاح ليعينوه بعد الله على عبادة الله تعالى ، فلنعم القصد ، ولنعمت النتيجة .
السبب العاشر : عدم معرفة الله حق معرفته ، والجهل بعظمته في النفوس ؛ فإن من عرف الله تعالى بأسمائه وصفاته ، لم تجرؤ نفسه على التقصير في عبادته ، أو الوقوع في معصيته ، أو الخلوة بالخطيئة ، أو المجاهرة بالسيئة .
ومن جهل برقابة الله عليه ، وسمعه لكلامه ، ونظره إليه ، وعلمه بحركاته وسكناته ، ولم يؤمن بقدرة الله عليه ، أو تغافل عن هذا كله ، فقد نزع عن نفسه لبوس الحياء من الخالق سبحانه ، ومن لم يستح فليصنع ما يشاء ، فلا عجب بعد هذا إذا فتر أو قصر .
فأين هؤلاء من قول الله تعالى : ] يَسْتَخْفُونَ مِنْ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنْ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنْ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا [ .
أخي الحبيب : إن من تأمل أحوال المتنكبين عن طريق الهداية بعد التزامهم بها يجد غفلتهم عن عظمة الله I تتربع في قلوبهم ، وإلا فهل يستخف بالمعصية من يعلم بأن الله يراه ويسمعه ويحاسبه ، وهل يسرق الناس أموالهم من يعلم أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ، وهل من يستعلي على الخلق ويظلمهم يوقن بقدرة الله عليه ؟؟ إن لتعظيم الله في النفوس لأثراً يعلم به الذين أسهروا ليلهم قياماً لله ركعاً وسجدا، وأمضوا نهارهم صياماً وذكرًا .

إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل

خلوت ولكن قل عليّ رقيبُ

ولا تحسبن الله يغفل ساعة

وأن ما تخفي عليه يغيب

السبب الحادي عشر : استحقار صغائر الذنوب ، والاستهانة بعقوبتها ، وإنها والله القطرات التي أجرت سيول الفجور ، والحصى الصغيرة التي تراكمت منها جبال الذنوب ، فمرة نقول : صغائرُ ، ومرة نقول : لممٌ ، وما الأمر إلا ملائكة يكتبون ، وصحف تملا ، ورب يحصي ، في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، فهل علم الفاتر عن الطاعة ذلك كله ؟
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e قَالَ : إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ ، فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ e ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلًا كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلَاةٍ ، فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالْعُودِ ، وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ ، حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا ، فَأَجَّجُوا نَارًا ، وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا ) () .
قال بعض السلف : ( تسامحت بلقمة فتناولتها ، فأنا اليوم من أربعين سنة إلى
خلف ) .

خل الذنوب كبيرها

وصغيرها ذاك التقى

واحذر كماش فوق أر

ض الشوك يحذر ما يرى

لا تحقر صغيرة

إن الجبال من الحصى


السبب الثاني عشر : التعلق في الالتزام بالدين بالأحياء من الصالحين ، وإنه السوس الذي ينخر في دين الإنسان من حيث لا يشعر ، فكم يفرح المرء بهدايته ، غير أنه لم يهتد إلا لأجل إعجابه بشخصية فلان ، أو استحسانه صوته أو صورته ، حتى يصل الأمر بأن يتبعه في كل شيء ، ويقلده في كل أمر ، فإذا ما أصيب قدوته بالفتور ، لحقه فيه دون تردد ، ولو انتكس ، انقلب كما انقلب على عقبيه ، وإنه لا يضر الله شيئا .
إنه يجب أن نقتدي في سائر عباداتنا بالنبي e ، وبسلفه الأخيار ، لا نرتضي بهم بدلا ، وليكن ذلك نبراسنا في دعوتنا الناس إلى منابر الهداية المضيئة ، فإن الأحياء لا تؤمن عليهم الفتنة .
يقول عبد الله بن مسعود t : ( من كان منكم مستنًا ، فليستن بمن مات ، أولئك أصحاب محمد e ، كانوا خير هذه الأمة ، أبرها قلوبًا ، وأعمقها علمًا ، وأقلها تكلفًا ، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه e ، ونقل دينه ، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم ، فهم أصحاب محمد e كانوا على الهدي المستقيم ) () .

فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم

إن التشبه بالكرام فلاح


السبب الثالث عشر : الانشغال بالعلوم العلمية البحتة ، والانفتاح على شتى وسائل تحصيلها ، من دون تفريق بين ما حلّ منها وما حرم ، كالتعذر في تعلم اللغة الإنجليزية برؤية الأفلام الأجنبية ، أو الاطلاع على مواقع منحلة في شبكة الانترنت ، أو السفر إلى الخارج من غير أخذ الأهبة الدينية التي يجب أن يتسلح المسلم بها قبل ذهابه إلى هناك ، أو السكن مع إحدى الأسر الكافرة ، والاختلاط بهم ؛ بحجة إجادة التعلم والاضطرار إليه .
فكم فجع الإنسان في دينه ، حينما رأى نفسه تنحدر من سبيل التعليم إلى سبيل الغواية والانحلال ، وما ذاك إلا بسبب نظرة محرمة ، وإنها لتقع في قلبه كالسهم المسموم ، الذي يردي قلبه بعد الحياة ميتًا ، وبعد الهداية ضالًا ، فليحكّم الإنسان الشرع في أفعاله وتصرفاته ، ولا يكن مفتيًا لذاته ، حاكمًا بهواه ، ] وما كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا [ .
السبب الرابع عشر : الغفلة عن محاسبة النفس ، فترى أحدنا يسير في هذه الدنيا ولم يجعل على نفسه حسيبًا ، فتكثر عثراته ، وتتضاعف زلاته ، لا يعرف ما فعل ، ولا يدرك ماذا قال ، ولا يتراجع عن خطأ ، ولا ينشط لفعل طاعة ، كل تصرفاته مرتجلة ، لا يضع لنفسه أهدافًا ، ولا يسأل نفسه ماذا أنجز في يومه ، وكم قصّر في حق ربه ، وكم ضيّع من حقوق عباده ... .
فهل حاولنا أن نخلو بأنفسنا ساعة نحاسبها عما بدر منها من الأقوال والأفعال ؟ وهل حاولنا يومًا أن نعد سيئاتنا كما نعد حسناتنا ؟ بل هل تأملنا أن طاعتنا قد لا يخلو بعضها من الرياء والسمعة ، كيف القدوم على الله _يا عباد الله _ ونحن لأنفسنا غير محاسبين ، ولحساب الله غير مطيقين ، قال عمر بن الخطاب t : (( حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوها قبل أن توزنوا ، فإن أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم ، وتزينوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية )) .
إن محاسبة النفس _ أيها الأحبة _ هي من شأن الصالحين الأتقياء ، المخبتين الأنقياء ، المنيبين الأصفياء ، الذين لبوا نداء الرحمن حينما قال : ] يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ

[size=24]
علاج الفتور

إذا كنا قد عرفنا جملة من أسباب الفتور في العبادة ، ووضعنا أيدينا على الداء ، فقد جاء دور الكلام على الدواء .
إن الدواء الناجع لداء الفتور هو بإيجاز قطع كل الأسباب التي سبق ذكرها ، التي من شأنها أن توقع المسلم في خنادق الفتور ، ومهاوي التقصير ، ليسلك بدلها وسائل الثبات ، وطرق الالتزام بالهداية ، فيعظم العبد ربه في قلبه ، ويطبع هذا التعظيم على أقواله وأفعاله واعتقاده ، ويتّبع سنة النبي e بلا ز
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الفتور مظاهره ، وأسبابه ، وعلاجه
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
Nour Heart :: المنتدى الإسلامي :: المنتدى الاسلامى العام-
انتقل الى: